سماحة الشيخ الدكتور نوح القضاة

 

 

بالتعاون مع جريدة الرأي الأردنية

 

سماحة الشيخ الدكتور نوح علي سلمان القضاة

 

إعداد: أ.د.شحادة العمري

عضو رابطة علماء الأردن

والأستاذ بجامعة العلوم الإسلامية العالمية

 

 

ولادته وأسرته ونشأته:

ولد سماحة الوالد المفتي الشيخ نوح علي سلمان القضاة في بلدة عين جنة في محافظة عجلون عام 1358هـ / 1939م، وكان والده الشيخ علي سلمان رحمه الله شيخا صالحا محبا للعلم وأهله، شغوفا بالفقه والدعوة؛ ولذلك عني بأبنائه الأربعة ليكونوا شيوخا، وهم: (محمد، ونوح، وهود، وزكريا) فعلمهم العلوم الشرعية والعربية قبل أن يرسلهم إلى الشام لتلقي العلم الشريف على أيدي علمائها الأجلاء.
وقد أصبح الأبناء الأربعة شيوخا، وأضحوا قرة عين لأبيهم الشيخ علي رحمه الله الذي أحيا العلم الشرعي في منطقة عجلون، وخاصة في بلدة إرحابا التي ظل فيها إماما وخطيبا حتى انتقل إلى رحمة الله.

طلبه العلم الشرعي في دمشق:

درس الشيخ نوح رحمه الله المرحلة الابتدائية في المملكة، ثم رحل به والده إلى دمشق عام 1373هـ / 1954م ليدرس بمعهد العلوم الشرعية التابع للجمعية الغراء التي أسسها العالم الفقيه الشيخ علي الدقر رحمه الله، الذي كان شيخا لوالده الشيخ علي سلمان أيضا.

وقد حصلت له قصة طريفة في بداية طلبه للعلم بالشام، يقول الشيخ:" حينما وصلت دمشق مع والدي، رافقت بعض الزملاء لمعرفة السوق في دمشق، فسأل عني الوالد ولم يجدني، فأخبرته بما جرى، فقال: تعال يا ولدي نزور دمشق، ثم نعود إلى إرحابا، فطالب العلم يبقى مع درسه وشيخه!
فصارت نصيحة الوالد منهاجا لي، فعكفت على طلب العلم في المعهد؛ لأنهل من معينه".
درس الشيخ نوح العلوم الشرعية في المرحلتين الإعدادية والثانوية في المعهد الشرعي وتتلمذ لكوكبة من علماء الشام منهم:

  1. الشيخ عبدالكريم الرفاعي
  2. الشيخ أحمد البصروي
  3. الشيخ عبدالرزاق الحمصي
  4. الشيخ نايف العباس
  5. الشيخ محمود الرنكوسي
  6. الشيخ محمد الشماع
  7. الشيخ محمد الهاشمي

وتخرج شيخنا رحمه الله عام 1961م، ثم التحق بكلية الشريعة بدمشق، ودرس فيها أربع سنوات، فقد كان نظام الدراسة سنويا، وتخرج الشيخ في أربع سنوات؛ مما يشير بشكل كبير إلى ذكائه وحرصه على طلب العلم، فقد كان نجاح الطالب في أربع سنوات من العجائب والغرائب؛ نظرا لصعوبة المناهج حينذاك، ودقة الأسئلة الكتابية والشفهية، ومن شيوخه في المرحلة الجامعة الأولى:

  1. العلامة الشيخ مصطفى الزرقا
  2. الدكتور وهبة الزحيلي
  3. الشيخ عبدالرحمن الصابوني
  4. الشيخ محمد أمين المصري
  5. الشيخ عبدالفتاح أبو غدة
  6. الشيخ محمد المبارك
  7. الشيخ فوزي فيض الله

تخرج الشيخ نوح، وعاد إلى الأردن عام 1965م يحمل الإجازة (البكالوريوس) في الشريعة الإسلامية.

 

التحاقه بالقوات المسلحة الأردنية:

عاد الشيخ نوح إلى المملكة عام 1384هـ / 1965م، والتحق بالقوات المسلحة الأردنية برتبة ملازم أول إمام؛ ليعمل بمعية مفتي الجيش العربي سماحة الشيخ عبدالله العزب رحمه الله، والذي كان حريصا على نشر العلم والدعوة في صفوف الجيش العربي المصطفوي، وحينما رأى مخايل الذكاء في شخصية الشيخ نوح قرّبه منه، وصار محل ثقته في الفقه والدعوة، فكان يرسل الشيخ نوحاً إلى الوحدات العسكرية واعظا ومرشدا ومعلما، فأحبه الجميع، وصارت زيارته للوحدات محل ترقب من الضباط والجنود على حد سواء.
وقبل إحالة سماحة اللواء الشيخ عبدالله العزب رحمه الله على التقاعد جعل الشيخ نوحاً مفتياً للقوات المسلحة الأردنية؛ ليحمل هذه المسؤولية في بواكير شبابه، وقد نجح في مهمته، وجعل مديرية الإفتاء بالقوات المسلحة الأردنية معروفة للناس في داخل المملكة وخارجها، ولله الحمد والمنة.

 

 

توليه منصب مفتي القوات المسلحة الأردنية:

في عام 1972م صار سماحته مفتياً للقوات المسلحة الأردنية خلفاً لسماحة اللواء الشيخ عبدالله العزب الذي أحيل على التقاعد.
بدأ الشيخ نوح مرحلة جديدة من حياته، وصار معنياً بالعلم والإدارة، يصل الليل بالنهار لتطوير دائرة الإفتاء في شتى المناحي من علمية ودعوية وإدارية، وقد نجح ولله الحمد في سعيه الدؤوب، ونال ثقة جميع القادة الذين تسلموا القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، والذين تسلموا رئاسة الأركان المشتركة؛ لتفانيه رحمه الله في الدعوة إلى الله، وحبه لرسول الله r ولآل بيته الأطهار، وإخلاصه لوطنه ولأمته.
كان سماحته حريصا على العلم فأصدر نشرة فقهية شهرية، يبدأها بافتتاحية، ثم بعض المقالات، ويختتمها بالإجابة عن الأسئلة الفقهية المنشورة في العدد السابق، ويختم النشرة بأسئلة تتراوح بين 15 و 20 سؤالا تسير هذه الأسئلة مع أبواب الفقه الشافعي من كتاب: (مغني المحتاج إلى معاني ألفاظ المنهاج) للشيخ الخطيب الشربيني رحمه الله، والذي شرح فيه كتاب: (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) للإمام النووي رحمه الله.

عنايته بالعلم ومجالسه:

لم يكتف الوالد المفتي رحمه الله بالنشرة الفقهية، وإنما كان يصدر كتيّبات ونشرات في المناسبات الدينية لتوزيعها على منتسبي القوات المسلحة الأردنية؛ ليظل الجيش العربي على صلة بالعلم والعلماء.
كان الشيخ حريصا على عقد ندوة أسبوعية مساء كل يوم أحد في مسجد معسكر الزرقاء يحضرها الأئمة في المنطقة، والراغبون من المصلين، تبدأ الندوة بعد صلاة المغرب مباشرة، يستهلها القارئ بآيات من الذكر الحكيم، ثم يقرأ أحد مساعدي المفتي أو أحد المرشدين من كتاب مغني المحتاج، وسماحته يشرح العبارات، ويجيب على التساؤلات، ومن الكتب التي قرأها وشرحها سماحته في هذه الندوة كتاب: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى r) للقاضي عياض رحمه الله، وإذا كانت مناسبة المولد الشريف فإن سماحته يتحدث عن سيرة الحبيب النبي r. وقد كان سماحته يشارك في احتفالات المناسبات الدينية التي تقيمها وزارة الأوقاف، والتي تقيمها الوحدات العسكرية في القوات المسلحة.

 

 

سفره إلى مصر:

في عام 1397هـ / 1977م رغب سمو الأمير زيد بن شاكر رحمه الله - القائد العام للقوات المسلحة – أن يبتعث سماحة المفتي إلى الأزهر الشريف للحصول على درجتي التخصص: الماجستير والعالِمية (الدكتوراه) في الفقه، فأصدر أمرا بابتعاث الشيخ نوح إلى القاهرة.
سافر سماحته إلى القاهرة عام 1977م ليتخصص في الفقه وأصوله، وتتلمذ مرة أخرى على أيدي ثلة من علماء الأزهر الشريف منهم:

  1. العلامة الأصولي النظّار سماحة الشيخ أ.د. عبدالغني عبدالخالق
  2. سماحة الشيخ أ.د. حسن الشاذلي
  3. سماحة الشيخ الإمام الأكبر أ.د. عبدالحليم محمود

وبعد إنهاء السنة التحضيرية في مرحلة الماجستير كتب الشيخ رسالته الفذة: (قضاء العبادات والنيابة فيها) بإشراف أ.د. محمد الإنبابي، ونال درجة الماجستير في عام 1400هـ / 1980م، ثم عاد إلى عمله مفتياً للقوات المسلحة الأردنية لظروف طرأت اقتضت عودة سماحته إلى المملكة.

إنشاء جناح الشيخ يونس العمري للعلوم الشرعية:

عاد سماحة الشيخ من القاهرة يحمل درجة الماجستير، ليتابع بهمة ونشاط مسيرته العلمية والدعوية، التي بدأها حينما صار مفتياً للقوات المسلحة، وحرصاً منه على العلم وأهله أنشأ جناحا للعلوم الشرعية بمدرسة ضباط الصف سماه: (جناح الشيخ يونس العمري للعلوم الشرعية) تعقد فيه دورات للأئمة القدامى والمستجدين، كما تعقد دورات للثقافة الإسلامية يحضرها ضباط الصف من القوات المسلحة.
ثم ارتأى سماحة المفتي أن يستقبل الراغبين بدراسة العلوم الشرعية من ضباط صف القوات المسلحة وممن يحمل شهادة الثانوية العامة ليدرسوا دورة في العلوم الشرعية مدتها ثلاث سنوات يتخرج الطالب منها، ليصبح إماما في الوحدات العسكرية، وكان المنهاج قوياً، يدرس الطالب في هذه السنوات مختلف العلوم الشرعية، ويقرأ كتاب (منهاج الطالبين) للإمام النووي رحمه الله تعالى.

 

 

التحاق الشيخ نوح بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض:

في عام 1401هـ / 1981م كنت طالباً في السنة الرابعة بكلية أصول الدين بالرياض، وفي عطلة الصيف التقيت سماحة الوالد المفتي بمكتبه فأخبرته أن بعض المحبين له بالرياض يشجعون على تسجيل خطة الدكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
اقتنع سماحة الوالد المفتي فأعطاني الوثائق المطلوبة، والخطة المقترحة بعنوان: (إبراء الذمة من حقوق العباد)، فأخبرت أستاذي وشيخي العلامة المربي عبدالرحمن الباني رحمه الله بذلك فذهب معي إلى كلية الشريعة بالرياض لمتابعة تسجيله.
وفي إجازة منتصف العام الدراسي جئت إلى المملكة لزيارة الأهل، فكان لي شرف السفر مع سماحته في رحلة علمية من عمّان إلى جدة، وأدينا مناسك العمرة، ثم سافرنا ليلا من جدة إلى الرياض.
وصل الوالد المفتي إلى الرياض فالتقى بمشرفه فضيلة الشيخ صالح العلي الناصر رئيس قسم الفقه بكلية الشريعة بالرياض، واتفق معه على خطة العمل، وقد رافقته في كل لقاءاته مع السادة العلماء، ومنهم: سماحة العلامة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ الذي كان أستاذا للفقه بالكلية، وقد حفل بقدومه الأردنيون بالرياض.
سافر الشيخ نوح عدة مرات إلى الرياض ليلتقي مشرفه، والذي قدّر الله تعالى أن ينتقل إلى رحمة الله تعالى قبل إتمام الإشراف، فصار أستاذنا الدكتور الشيخ صالح الأطرم مشرفا ثانيا بعد وفاة الشيخ صالح العلي الناصر، فسبحان الله الذي جعل الصالحَيْن البصيرَيْن مشرفَيْن على سماحة المفتي!

حصول الشيخ على الدكتوراه من جامعة الإمام:

وفي عام 1406هـ / 1986م سافر سماحة المفتي إلى الرياض لمناقشة رسالته الموسومة بــ(إبراء الذمة من حقوق العباد)، وقد حضر المناقشة عدد كبير من أهل العلم والفضل، وكانت مناقشة علمية مفيدة لكل من حضر.

إنشاء كلية الأمير الحسن للعلوم الإسلامية:

كان جناح الشيخ يونس العمري للعلوم الشرعية النواة الأولى لكلية الأمير الحسن للعلوم الإسلامية، وأصبحت مناهج هذه الكلية معتمدة من وزارة التعليم العالي، وطلابها يقدمون الامتحان الشامل مع طلبة الكليات بالمملكة، ويحملون درجة الدبلوم بالعلوم الشرعية، ليصبح كل منهم بعد تخرجه إماما في الوحدات العسكرية.

 

الشيخ يتولى منصب قاضي القضاة:

في عام 1992م أحيل سماحة المفتي على التقاعد وهو برتبة (لواء)، ليتولى منصب قاضي القضاة بالمملكة، فباشر عمله بإعادة النظر في كثير من الأمور التي وجدها بحاجة إلى إصلاح، وعني – كعادته – بالعلم ونشره من أهله، فطالب القضاة بالعناية بالعلم الشرعي الشريف، وعدم الاقتصار على مسائل القضاء، ثم قدم استقالته بعد عام واحد.

التدريس بجامعة اليرموك:

وبعد الاستقالة من منصب قاضي القضاة عام 1993م تفرغ سماحته للتدريس في المسجد المجاور لبيته في إيدون، وعمل محاضرا بكلية الشريعة في جامعة اليرموك، فأفاد طلبة الجامعة بمحاضراته وخطب الجمعة التي كان يلقيها في مسجد جامعة اليرموك الذي أصبح يحمل اسم: (الشيخ نوح القضاة) بعد وفاته.

الشيخ سفير المملكة في إيران:

وفي عام 1996م عين الشيخ سفيرا للمملكة في إيران، واستمر سفيرا حتى عام 2001م، عاد بعدها إلى بيته، ليستأنف الدعوة في محافظة إربد خاصة، وفي المملكة عامة.

الشيخ يدير دائرة الإفتاء في الإمارات:

في عام 2004م سافر الشيخ نوح إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ليقوم بإدارة الفتوى في الدولة، وليكون مستشارا لوزير العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، ومستشارا لوزير التعليم العالي حتى عام 2007م، قام خلال هذه الفترة بنشاط علمي دعوي فضلا عن قيامه بالتراتيب الإدارية في دائرة الإفتاء، وهو الخبير الذي مارس إدارة الفتوى منذ نعومة أظفاره.

الشيخ نوح يصبح المفتي العام للمملكة:

في عام 2007م صدرت الإرادة الملكية السامية بتعيين سماحة الدكتور الشيخ نوح علي القضاة مفتياً عاماً للمملكة الأردنية الهاشمية بدرجة وزير؛ لتصبح دائرة الإفتاء العام دائرة علمية فقهية دعوية تتلقى الفتاوى من داخل المملكة وخارجها عن طريق الوسائل المسموعة والمرئية والمكتوبة، وتتألق هذه الدائرة على المستويين المحلي والعربي.

واستمر سماحة الوالد المفتي في بناء هذه الدائرة مادياً ومعنوياً، وكان من سياسته أن يكون في كل محافظة ولواء مفتٍ، وعقد للمفتين دورات، فضلا عن دورات الباحثين بالدائرة.
وبعد ثلاث سنوات، قدم سماحته استقالته من دائرة الإفتاء، لتكون استراحة المحارب في البيت.

مؤلفاته:

عني سماحته بالدعوة والدروس أكثر من عنايته بالتأليف؛ لأن التأليف بحاجة إلى تفرغ، ولم يكن متفرغا، بل كان يزور مختلف تشكيلات القوات المسلحة بالمملكة، فضلا عن محاضراته في مساجد المحافظات بدعوة من أهل المدن والقرى لمحبتهم سماحة المفتي، ومن مؤلفاته الماتعة النافعة:

  • ·        محاضرات في الثقافة الإسلامية:

      ألفه بالاشتراك مع د.سامي الصالح لطلبة الكلية العسكرية بالقوات المسلحة الأردنية، وقد تضمن الكتاب كل ما يحتاجه الدارس من معرفة أركان الإيمان ومتعلقاتها، وأركان الإسلام وفضائل كل ركن، مع دراسة بعض القضايا الإسلامية المعاصرة والرد على أصحاب الشبهات.

  • ·        قضاء العبادات والنيابة فيها (رسالة الماجستير):

ظهرت براعة سماحة الوالد المفتي باختيار هذا الموضوع لأهميته في إبراء ذمة العبد من العبادات التي هي حق الله تعالى على العبد، وجاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة:

الباب الأول: قضاء العبادات وتحته ثلاثة فصول رئيسية:
الفصل الأول: سبب قضاء العبادات
الفصل الثاني: وقت القضاء وكيفيته
الفصل الثالث: حكم ترك القضاء وتأخيره
الباب الثاني: النيابة في العبادات، وتضمن أربعة فصول:
الفصل الأول: العبادات التي تصح فيها النيابة
الفصل الثاني: كيفية النيابة في العبادات
الفصل الثالث: حكم الاستئجار على العبادات التي تصح فيها النيابة
الفصل الرابع: من مات وفي ذمته شيء من العبادات.

  • ·        إبراء الذمة من حقوق العباد (رسالة الدكتوراه):

جاء هذا الكتاب متمما لكتابه (قضاء العبادات والنيابة فيها)، ليتحدث في هذا الكتاب عن إبراء الذمة من حقوق العباد، فعرض فيه الأسباب التي تؤدي إلى انشغال ذمة العبد، وبين ما يترتب على الذمة نتيجة لكل سبب، ثم عرض آراء المذاهب الأربعة المشهورة، وأدلة كل رأي مع الموازنة والترجيح، وتألف الكتاب من مقدمة وتمهيد وخمسة فصول، تضمن كل فصل عدة مباحث، وخاتمة.
الفصل الأول: إبراء الذمة مما تعلق بها بسبب المعاملات
الفصل الثاني: إبراء الذمة مما تعلق بها بسبب الأفعال الضارة.
الفصل الثالث: إبراء الذمة مما أوجبه الشرع.
الفصل الرابع: إبراء الذمة من الحقوق المعنوية
الفصل الخامس: إبراء ذمة الغير

  • ·        المختصر المفيد في شرح جوهرة التوحيد:

     منظومة جوهرة التوحيد: أرجوزة في علم التوحيد تتألف من 144 بيتاً، نظمها الإمام اللقّاني رحمه الله في ليلة واحدة، وانتشرت شرقاً وغرباً، وكثرت شروحها، ونظرا لأهمية الجوهرة في الكليات الشرعية والمعاهد الدينية بماليزيا؛ فقد طلب بعض طلبة العلم الماليزيين من سماحة الشيخ أن يسهّل عليهم فهم الجوهرة، فخط بيراعه هذا الكتاب الذي له من اسمه نصيب، فهو حقاً مختصر مفيد في علم التوحيد، وزاد على السهولة ما تمتع به الوالد من أسلوب سهل ممتع يتفق مع أسلوبه في حديثه العذب مع المخاطبين.

  • ·        شرح المنهاج في الفقه الشافعي (قسم العبادات):

يعد كتاب (منهاج الطالبين) للإمام النووي رحمه الله تعالى من أهم الكتب المعتمدة في فقه الشافعية، ونظرا لأهميته فقد قرر سماحة الوالد المفتي تدريس هذا الكتاب في جناح الشيخ يونس العمري للعلوم الإسلامية.
وبعد أن نظر سماحته في المؤلفات التي شرحت المنهاج وجد عباراتها مغلقة على طلبة العلم في هذا الزمان، فدبج بيراعه هذا الكتاب الذي شرح فيه عبارات الإمام النووي رحمه الله الفقهية بدءاً من المقدمة وحتى نهاية العبادات، وكان منهجه في الشرح على النحو الآتي:
يكتب عبارات الإمام في أعلى الصحيفة، وتحتها يشرح العبارات جامعا بين معانيها بألفاظ سهلة مع كلام الإمام، رابطا بين الجمل، بأسلوب سهل على الدارس، ويبين في شرحه الأحكام الفقهية بسهولة ويسر.

وفاة سماحة المفتي:

بعد استقالة سماحة الوالد المفتي الشيخ نوح من دائرة الإفتاء شعر بألم جسدي، وأدخل مدينة الحسين الطبية للعلاج، ثم أمر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله بأن يعالج الشيخ على نفقته في أي مكان في العالم، وعلى يد من يختار من الأطباء، فارتحل الشيخ إلى النمسا للعلاج، ورافقه ابنه معالي الدكتور محمد نوح في سفر العلاج، ثم رجع من النمسا، وكان كثير التوجه إلى ربه جل وعلا بالدعاء، يقول نجله معالي د.محمد نوح:"وكانت آخر أبيات قالها سماحته قبيل وفاته":

إلـــــهي ومولانا عليــك المُــعَــوَّل  .......... فأنـــــــــت كـــــريــم والكـــــريــم يــُـــؤمَّـــــــــــلُ
إذا أنت لم تمنن عليّ بجذبة ......... فيا طول ما أسعى ولا شيء يَحصُلُ
فأنت إذا ما شئتَ شيئا فعلته ......... وإني لــــعبـــــدٌ ما عـــــسى العـــــبدُ يفعلُ؟
شفيعي أبو الزهراء أنّي أُحبِّه ......... وإن كــنــتُ لم أفــعــل كما كان يـفــعــلُ
وقد شاب رأسي والمنية أقبلت ........ فَـــمُــنَّ بـــوصـلٍ قــــبـلــمـا الـعـمــر يــأفُـــــلُ

وفي صباح يوم الأحد التاسع عشر من شهر كانون الأول عام 2010م فاضت روح سماحة الوالد المفتي الشيخ نوح القضاة إلى بارئها؛ سائلا الله عزوجل أن تكون في عليين، وأن يُحشَر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقا.
وقد كانت جنازته جنازة مهيبة، حضرها الآلاف من المحبين، وعلى رأسهم مندوب جلالة الملك المعظم صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد كبير مستشاري جلالة الملك، والممثل الخاص لجلالته، وبعد صلاة العصر صلى عليه الحضور، ثم دفن في بلدة رأس منيف في محافظة عجلون، وكانت وفاة الشيخ نازلة نزلت، لأن سماحته فقيه المفتين، ومفتي الفقهاء، يثق بفتواه القريب والبعيد، والموافق والمخالف، رحمك الله تعالى يا والدنا العزيز وأنزل على قبرك شآبيب الرحمة والرضوان.

 

 

قصيدة رثاء الشيخ الجليل: د.نوح علي سلمان القضاة رحمه الله تعالى
للشاعر محمد سراج الزغول

قلبي يئن وصخر صبريَ يدمعُ ... حتى الجبال بحرقةٍ تتصدعُ
هذي الجموع من البكاء تخدرت ... كأس المرار بغصة تتجرعُ
يأبى الفراق بأن يُهدّئَ لوعتي ... يا ليت شعري أو دموعي تنفعُ
يا راحلاً بعد السنين ودربها ... كم كان قولك دائما ما يقنِعُ
وبقيت رغم الليل نوراً مشرقاً ... والشمس ظلت من جبينك تسطعُ
فأخذت من عمق المشاعر صدقها ... حرستك في نبض القلوب الأضلعُ
هل في المكانة مثل شيخ عالم؟ ... الله أوحى في الكتاب و" يرفَعُ.."
يا أيها الشيخ الجليل توضأت ... من نور أحرفك العقول فتنصعُ
ولبست من ثوب الوقار عباءة ... لك في جنان الخلد خيراً يشفعُ
تبكيك عجلون الحزينة كلها ... والسنديان لأمر ربي يخشعُ
والأمة ارتجفت على أحزانها ... رباه فارحم من إليك سيرجعُ
يا شيخنا قد كنت فينا عاكفاً ... عن كل أمر هالك تترفعُ
هنا قد مررتم بابتسامة ناسكٍ ... وهناك تركع في الصلاة وتضرعُ
ما ملت إن مالت رياح عواصفٍ ... بل كنت في حمل الأمانة تبرعُ
قد كانت الدنيا لديك سحابة ... ما كنت فيها كانزا لها تجمعُ
بل كنت من زهادها وعباده ... والله أعلم بالقلوب وأسمعُ
يا رب ارحم شيخنا ضاقت بنا ... بل جنة الفردوس عندك أوسعُ
واغفر لشيخ كان خير رجالنا ... إنا برحمتك العظيمة نطمعُ
ما مات من ترك الضياء وراءه ... في كل صبحٍ شمس علمه تطلعُ

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

رحيل عالم جليل
بيان صادر عن رابطة علماء الأردن

رحل سماحة الشيخ الجليل، والعالم القدوة الدكتور نوح علي سلمان القضاة، بعد حياة حافلة بالعطاء في شتى المواقع التي أشغلها سماحته في الإفتاء العسكري والمدني، ولعل أبرز ما تميز به الراحل: اللين وحسن الخلق مع الجميع حتى صار شخصية يجمع عليها الناس بالرغم من أنه صاحب مدرسة مميزة لكنه لم يكن على عداء مع من يخالفونه، بل يعذر الآخرين بآرائهم، ويلتمس لهم الأعذار، ويقدر لهم الجهد والاجتهاد.
كان معتدلا مؤمنا بالنصح، والإرشاد، والتدرج، وقبول الممكن ممن يقابله، منهجه التيسير الملتزم، يشدد حيث لا مجال للمساومة، ويختار الأيسر إذا كان في الأمر سعة.
ارتقى المنابر وألقى الخطب فكان أنموذجا للخطيب الذي لا يطيل على المستمعين ولكنه يقول المطلوب بالحكمة والوعظة الحسنة، قاد سفينة الإفتاء، وبنى مدرسة يراها القاصي والداني في أجيال من المفتين المدربين على نفس المنهج، يمارسون عملهم في مساجد القوات المسلحة وفي دور الإفتاء بعيدا عن الشطط والتشدد، لكن ضمن الأحكام الشرعية.
ويذكر للشيخ الراحل سُنّة بعثات الحج العسكرية التي سنّها، وصارت مضرب المثل للدول الإسلامية مما دعا بعضها للاستفادة من خبرة الشيخ فاستدعوه لتأطير العمل في جيوشهم كما فعل في الأردن.
لقد كان رحمه الله عفّ اللسان، يألف ويؤلف، يجمع ولا يفرّق، وهذا ما نريده من علمائنا الأفاضل، وبخاصة في زمن الضعف الذي نعيش حيث نرى الفرقة تطل برأسها بين الحين والآخر مما يجعلنا في دائرة شماتة الأعداء.
      ولا نذيع سرا أن شيخنا الفاضل كان من المؤيدين لفكرة إنشاء هذه الجمعية وقام بنصحنا والإشارة علينا بأسماء علماء أفاضل ليحملوا معنا عبء التأسيس.
لقد فقد الأردن والعالم الإسلامي عالما جليلا قل نظيره، ولكن أملنا بالله تعالى أن يعوض علينا بمثله من ذريته وتلامذته إنه سميع مجيب.
رحمك الله يا شيخنا الفاضل رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عمّان 15/محرم/1432هــ
الموافق: 21/12/2010م