أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب

(أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)

الأمثال شرائح صغيرة مضغوطة بآلاف الخبرات والتجارب التي عايشتها وتبادلتها وتناقلتها الأجيال السابقة، ولدى تشغيلها تعرض بألفاظ مختصرة وسهلة وجميلة ومركزة بالمعاني الكبيرة المعبرة، والحِكَم البالغة، وتضرب بألفاظها وتراكيبها ومعانيها العذبة إيقاعات قوية، وإيحاءات مؤثرة، كما تلقي إضاءات مشرقة على الوقائع فتصور حقائقها في مشاهد ناطقة تبلغ إلى أعماق القلوب .

وقد احتفت بالأمثال الأمم جميعاً، وبلغ العرب شأواً عظيماً في ضرب الأمثال، وزينوا بها تضاعيف أقوالهم، واستخدموها في الإفهام وإيضاح المبهمات، وجمعوا قدراً كبيراً منها، وأفردوها بالتصنيف، وأحسنوا ترتيبها وشرحها وتفسيرها .

وقد اخترت لكم في هذه المقالة المثل الشعبي الآتي :

(أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب) :

البخل مذموم، والتبذير والإسراف مذمومان، والسخاء والاعتدال في الإنفاق هو الاعتدال المحمود، والاقتصاد الممدوح شرعاً وعقلاً، قال تعالى : {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}[الفرقان:67]، وقال تعالى {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}[الإسراء:29]، وقد أهملت المجتمعات العربية الإسلامية مراعاة هذه التعاليم الفاضلة، وكدت لا ترى من الأغنياء إلا سفيهاً مبذراً، أو شحيحاً مقتراً، بل كاد الفقير أنْ يكون مسرفاً لولا قلة اليد، وضعف الحال، فما أنْ يلبث الراتب في جيبه حتى يختفي بحركة سريعة كما تختفي الكرة في يد البهلوان !

إنَّ عملية شراء الأشياء، والكثير من الأشياء هي المتنفس الذي يشعر بعضنا من خلاله بالرضا؛ فبعد مخاصمة مستعرة مع الزوجة لا بد أنْ يرضيها ببطاقة دعوة لتناول الطعام في أحد المطاعم ذات الأسعار الملتهبة، وعند الحصول على المكافأة السنوية لا بد من رحلة سياحية بالطائرة إلى تركيا أو شرم الشيخ أو على الأقل جولة ترفيهية بالسيارة في ربوع الوطن الجميل، وفي المناسبات ليس هناك أفضل من شراء أحدث البدلات والأطقم الأنيقة، وشراء أبهظ أنواع الجاتوهات، وأفخر أصناف الشوكولاتة، إنها حالة الإنفاق المتهور التي تقود إلى التفكك والانجراف في تيارات سلبية، إنها مصيبة نفسية كبيرة بحاجة ماسة إلى علاج طارئ، لماذا تكبد نفسك أعباء مالية ضخمة أعلى من دخلك إرضاءً لنفسك بتعويضها عن النقص الذي تشعر به عند مقارنتها بأصهارك وزملائك؟ لماذا تضطر إلى الاستدانة من أصدقائك ومعارفك أو تلجأ إلى القروض والتمويلات البنكية، أو الشراء بالبطاقات الائتمانية غير المغطاة؟ لتجد نفسك مكبلاً من رأسك إلى قدمك بالديون والالتزامات المالية التي تعجز عن سدادها، كل ذلك في سبيل تقليد ومحاكاة المستويات الاقتصادية الرفيعة، والاختيال أمام الأقران بالمظاهر البراقة من لباس ومجوهرات وأثاث وسيارات وديكورات .. والقائمة تطول، ومسلسل الديون لا ينتهي .

مشكلتنا أننا لا نحسن في الغالب تدبير شؤوننا المعاشية والمالية، ونعاني من إدارة مفرطة لمقدراتنا، وأكبر دليل على سوء التدبير أنْ تجد شخصاً يشتري فاكهة أو لحمة أو بدلة .. بمبلغ كبير، ثم يخوض مع البائع في مساومة حادة من أجل تخفيض السعر ديناراً أو نصف دينار، حريص على إنفاق مبلغ كبير! وحريص على توفير مبلغ صغير! فإذا تمت الصفقة دفع المبلغ الذي وفَّره إكرامية للعامل الذي يحمل الأكياس! وتجد آخر يأكل حتى تغلق جميع المسالك والممرات أبوابها، ثم يختار عصير بيبسي دايت أو جريب فروت للمحافظة على رشاقته ولياقته، وآخر يمسح قصعة الطعام ثم يترك على طرفها لقمة صغيرة! فما معنى هذا ؟ هل معناه أن معدته التي اتسعت للقصعة ومرفقاتها قد ضاقت عن جبر هذه اللقمة؟ هل معنى هذا أنه قد تجاوز حدوده وشعر بأن من الضروري أنْ يتوقف عند هذا الحد؟ لكن لماذا تأخر إدراكه وتنبه عند هذه اللقمة بالذات ؟ هل معنى هذا أنه لا زال جائعاً لكنه يريد التظاهر بأنه شبعان لئلا ينطبق عليه المثل القائل (اللي ما يفضل منه جعان)، ولهذا أبقى فضلة الطعام دليلاً شاهداً على اكتفائه وامتلائه!

لو نظرنا إلى الموائد التي تمتلئ بالكميات الكبيرة من الأطعمة والأشربة المشهية لوجدت أنَّ معظمنا مصاب بداء الإسراف؛ فالجائع لا سيما إذا كان صائماً يجب أنْ يفطر في جو أطباق كثيرة، وألوان مختلفة، والأطباق الموضوعة على سفرة الطعام لا تكفي البيت الواحد بل تكفي الحي بأكمله، وإذا كانت المشكلة في أنك تريد أنْ تملأ عينيك، وتحب أنْ ترى أمامك أطباقاً كثيرة، فالحل أنْ تشتري أطباقاً أصغر، وأنْ تطهو نصف الكمية، وتضعها في أطباق كثيرة، كما يفعل اليابانيون: يقدمون عشرات الأطباق التي يمكن تجميعها في قصعة أو وعاء واحد!

لقد تغير المجتمع العربي المسلم كثيراً؛ فبعد أنْ كان يؤمن بأهمية الادخار، والاحتفاظ بالقرش الأبيض للظروف الصعبة التي يعبر عنها باللغة الدارجة (الأيام السوداء)، أصبح اليوم يؤمن بمقولة (أسرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)، وانقرضت فكرة الادخار في الحصالات، ودولاب الملابس، والمخابئ الأرضية، والحسابات المصرفية، واندفع إلى الاستهلاك والاستيراد والاقتراض والاستجداء، لقد خدعونا بقصص وحكايات وأشعار وجمل خطابية تدور حول معنى المثل السابق (اسرف ما في الجيب ..)، ونسوا أن الإيمان بالغيب والقدر لا يعني تعطيل القوى والطاقات التي أرشدنا الله إلى إعمالها، ولا يعني التكاسل والتواني والتخاذل وترك العمل، ورحِمَ الله عمر الفاروق رضي الله عنه القائل : (لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول : اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وإن الله تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض)[1]، نحن نؤمن أنَّ لكل مخلوق رزقاً، وهذا حق لا مراء فيه، لكن الرزق مذخور في خزائن السماء والأرض، وقد قدَّره الله لعباده حسب سننه قوانينه التي ترتب الرزق على الطلب، قال الله تعالى : {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور}[الملك:15]، وقد قيل لمحمد بن مهران: إن ههنا أقواماً يقولون: نجلس في بيوتنا وتأتينا أرزاقنا، فقال : هؤلاء قوم حمقى، إنْ كان لهم مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن، فليفعلوا)[2]، وقد قيل للإمام أحمد ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده، وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال أحمد: (هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي عليه الصلاة والسلام جعل رزقي تحت ظل رمحي، ولرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)[3]؛ فالطير تغدو في الصباح الباكر لطلب الرزق، ولا ترقد في أوكارها تأكل ولا تعمل، بل إنَّ أنبياء الله نوحاً وإدريس وزكريا وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام كانوا أصحاب مهنة وحرفة، وقد علَّم الله نبيه داود عليه السلام صناعة الحديد، وصارت حرفته، وأودع سبحانه في السماء والأرض من الأرزاق الزاخرة ما يكفي جميع المخلوقات، حين تطلبها المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحابي أحداً، ولا تحيد ولا تتخلف .

وأود أن أقدم بعض التوصيات المفيدة التي يمكن الاستفادة منها في صياغة خطة للادخار والاستثمار :

1-      الاقتطاع الدوري من راتبك في حدود مبلغ معقول لبناء قاعدة مالية تنطلق منها إلى عالم الاستثمار، ويمكن على المدى البعيد أنْ تحقق أرقاماً إدخارية مذهلة، واحرص على ألا تتعارض المقتطعات المالية مع نفقاتك الشهرية .

2-      قلِّل حجم المصروفات الكمالية (نفقات الفشخرة) غير الضرورية التي بإمكانك الاستغناء عنها دون حرج يذكر، وادخر الفروقات الناجمة في وعاء المقتطعات الشهرية .

3-      انتقل من مرحلة الادخار إلى الاستثمار لتوظيف الرصيد الادخاري في الحسابات والصناديق الاستثمارية ذات العوائد المجدية .

4-      إذا حققت استثماراتك أرباحاً معقولة، وزاد حجم الحافظة المالية، قم بانتقاء أفضل الأعمال التجارية أو الاستثمارات التي تتقنها، وضع أموالك فيها ثم راقبها بعناية وانتظام، واختر الاستثمارات ذات المخاطر التي في قدرتك امتصاصها لئلا تدخل نفسك في دوامة الأرق المزمن .

5-       راقب نفقاتك بعناية ودقة وقارنها بدخلك، ثم قدر وقرر هل أنت بحاجة إلى تقليص النفقات أم إبقائها على حالها، وخذ بالاعتبار النفقات الطارئة غير المؤكدة؛ كنفقات الصيانة للمنزل والسيارة ..، ونفقات العلاج والدواء، ونفقات الضيافة ونحوها، وكما جاء في المثل الشعبي : (اللي يحسب الحسابات في الهنا يبات) .

6-      احرص على أنْ يكون لك دوماً هدف محدد أو أهداف متتالية قريبة وبعيدة مثل: شراء منزل، بناء مسجد أو مدرسة أو مؤسسة خيرية، مع أن أهم حافز للادخار المنتظم أنْ تدرك في داخلك أهمية الادخار كوسادة نقدية مريحة للوقاية في حالات الطوارئ، وللتمتع بحياة هادئة مطمئنة، وتذكر أن الراتب الذي سيصرف لك بعد التقاعد قد لا يكفي للوفاء باحتياجاتك  .

7-      ابحث عن الحسومات المغرية (الخصومات)، والأسعار التوفيرية، والعمليات الالكترونية التي يمكنك باستخدامها توفير النقود، فمثلاً عند الاستثمار (عرض النقود) ضع أموالك لدى من يحقق أعلى نسب ربحية في السوق بصيغة إسلامية مقبولة، وفي حال الطلب (التمويل) ابحث عمن يطلب منك أدنى نسبة ربح، ولا يكن أكبر همك الحصول على الموافقة الائتمانية فقط، بل الموافقة بسعر ربح تنافسي مناسب، وتأكد من قدرتك على الوفاء بالتزاماتك، ولا تورط نفسك في تمويل يستغرق جميع مدخراتك ويغرقك في الديون من أجل الحصول على فشخرة كمالية، واحرص أيضاً على ألا يتجاوز دينك الذي يستحق في نهاية كل شهر نصف حجم دخلك الشهري على الأكثر.

8-      قم بتوثيق جميع عملياتك المالية والتجارية كي لا تتم مطالبتك خطأً بتكاليف مالية فتضطر لغياب المستند القانوني إلى دفعها مع أنك قمت بأدائها مسبقاً .

9-      اقرأ شروط فتح الحسابات الاستثمارية التي تنظم عمليات توزيع الربح والخسارة على حركات السحب والإيداع للمبالغ؛ لئلا يضيع أسبوع أو أكثر على المبالغ المدخرة في الحسابات بلا طائل ربحي، ولئلا تخسر أرباحاً بسبب سحبك لوديعتك في غير الوقت المناسب .

 

وللمقال بقية ...

                                (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .

 

د. علي محمد أبو العز

 

 

[1]. ابن عبد ربه، أحمد بن محمد، (العقد الفريد)، دار الكتب العلمية- بيروت، 1404هـ، (2/342) .

[2]. الأبشيهي، محمد بن أحمد بن منصور، (المستطرف في كل فن مستطرف)، دار عالم الكتب- بيروت، 1419هـ، (1/307) .

[3]. ابن مفلح، أبو عبد الله محمد بن محمد المقدسي، (الآداب الشرعية والمنح المرعية)، دار عالم الكتب- بيروت، (3/277) .